نقاط على الحروف

بعد سبعٍ عِجاف.. دمشق قبلة العرب

473 قراءة | 14:00

 علي إبراهيم مطر

سبع سنوات من الحرب على سوريا. لم يترك بعض العرب وسيلة إلا واستخدموها، لضرب بنية الدولة. سعوا بشتى السبل لإسقاط نظام الحكم الشرعي، لكنه نجح في البقاء. جمد العرب عضويتها في جامعة الدول العربية في تشرين الثاني/ نوفمبر 2011. خالفوا روح ميثاق الجامعة، وفسروا (المادة 18) منه وفق أهوائهم، فلا يوجد شيء في الميثاق يُسمى تجميد عضوية.

أزمة الجامعة العربية

سوريا التي انتصرت، لم تكن بحاجة إلى منظمة إقليمية تفرق ولا تجمع، تتآمر عليها بدل الوقوف معها، في ظل الأحداث التي عصفت بأمنها لا بل بالأمن القومي العربي بأكلمه. هذه الجامعة التي نشأت منذ عام 1945، لم تقدم رؤية متكاملة عن الأمن القومي، ولم تستطع تحقيق أهدافها، التي كان أبرزها توثيق الصلات بين الدول المشتركة فيها، تحقيقاً للتعاون بينها وصيانة لاستقلالها وسيادتها، والنظر بصفة عامة في شؤون البلاد العربية ومصالحها.

لقد ذهبت الجامعة في خضم الأزمة السورية إلى محاربة الدولة عوض الوقوف معها. وبدلاً من أن تتوحد دول الجامعة حول سوريا الداعم العربي الأول لفلسطين، اختارت المشاركة في تدمير بنية الدولة.

لقد عانت الجامعة العربية من إخفاقات كثيرة، بدأت منذ تأسيسها، وتجلت في الصراع العربي الإسرائيلي، وتوالت على طوال عقود من التاريخ السياسي العربي المعاصر. تفاقمت هذه الإخفاقات منذ الحراك العربي عام 2011، وخاصة في ظل الأزمة السورية، وخروج سوريا من الجامعة، مع أن الأخيرة في أمس الحاجة إلى وجود دمشق، في ظل الخلافات العربية، وعدم وجود سياسة عربية موحدة لمواجهة التحديات الكبرى التي تواجه العالم العربي.

لقد شكلت الحرب على سوريا تراجعاً لدور جامعة الدول العربية التي دخلت فيها كشريك للحرب، بدل أن تعمل على إرساء السلام فيها والحفاظ على أمنها وسيادتها وكيانها الذي كان أمام خطر التقسيم إلى دويلات.

عودة تحتاجها جامعة الدول العربية

عند هذا المنعطف، تغيرت نظرة دمشق إلى الجامعة، فالجامعة العربية لم تقم بدورها، وهي أصبحت تمثل بعض الأنظمة العربية لا أكثر، إلا أن هناك علاقة جدلية، فلا يمكن لهذه الجامعة أن تستغني عن الدور العربي الذي تلعبه دمشق ولعبته في كل الاستحقاقات العربية. وهذا ما يدفع معظم الدول العربية للعودة إلى الحاضرة السورية العريقة.

وبعد سبع سنوات عجاف بدأ ربيع سوريا يزهر مجدداً، وأصبحت الدول العربية تتقاطر إليها من أجل إعادة العلاقات معها، تحت شعار عودة سوريا إلى المناخ العربي، خاصةً بعد أن أدركت أنّ الإقليم العربي بلا سوريا لا قيمة له، ولا يمكن للجامعة أن تنتج موقفاً موحداً في ظل غياب رأس الحربة العربية في مواجهة الكيان الصهيوني.

هذه العودة بدأت إلى أحضان دمشق تدريجياً، عبر زيارات سرية قام بها دبلوماسيون وقادة أجهزة أمنية عربية، ومن ثم زيارة مفاجئة للرئيس السوداني عمر البشير وما فيها من دلالات على رغبة سعودية إلى إعادة فتح علاقات مع دمشق، هذا فضلاً عن إعادة الإمارات فتح سفارتها في سوريا، وعودة العلاقات تدريجياً بين سوريا ومصر وتونس والأردن وعمان والبحرين.

سوريا تحضر القمة الاقتصادية

كل هذه الحركة تحصل قبل القمة الاقتصادية المُزمع عقدُها في بيروت يومي 19 و20 الجاري، والتي يحتاج لبنان فيها لحضور قوي لدمشق، إلا أن ما يمنعه من دعوتها هي حجة إيقاف عضويتها في الجامعة العربية، علماً أن هذه الحجة لا يوجد مسوغ قانوني لها، إلا أنها تعد مخرجاً للبنان لعدم الوقوع بالحرج أمام العرب الذين لم يكونوا قد قرروا بعد عودة سوريا إلى الجامعة.

لكن لا شك أن لبنان بات في أمّس الحاجة لعودة علاقاته مع دمشق، لما لموقعها الجغرافي من أهمية بالغة بالنسبة للبنان، فهي رئة لبنان التي يتنفس منها اقتصادياً، وحان الوقت لعودة ضخ الدم في هذه الرئة، بعيداً عن الخلافات العربية التي لا تنتهي، والقرارات التي اتخذتها بعض الدول العربية وفقاً لمصالحها الضيقة.

ويبدو أن المخرج لدعوة سوريا إلى القمة الاقتصادية بات قريباً من خلال إعادة عضويتها في الجامعة، وذلك بناءً على عقد الاجتماع الذي سيعقده وزراء الخارجية العرب في بيروت يوم 18 الجاري تحضيراً للقمة الاقتصادية، واتخاذ القرار بإعادتها الى كنف الجامعة، ليعمد لبنان فوراً إلى توجيه الدعوة.

يأتي ذلك مترافقاً مع تصريح لوزير الخارجية اللبناني جبران باسيل، على أن يكون لبنان شريكاً في الاعمار كما كان شريكاً في الانتصار على الارهاب، ما يؤشر إلى أن لبنان الذي يسعى لكي يكون شريكاً في إعمار سوريا، سيجهد لإعادة علاقاته بدمشق بأسرع وقت لما له من مصلحة عليا مع سوريا التي تمثل نافذته البرِّية الى العالم، وبالتالي فإن هذا الخيار هو الأنسب حالياً والذي يجعل لبنان يتفادى قرار تأجيل القمة أو عقدها بلا وجود سوريا، في ظل تشاور مصري لبناني حول ضرورة إعادة سوريا إلى الجامعة ودعوتها إلى القمة الإقتصادية، وفق ما تؤكد معلومات خاصة لموقعنا.

وفي ظل هذه التحولات العربية الكبرى، على البعض أن يدعم هذه العودة، بدل المُكابرة السياسية للتغطية على الهزيمة الكبرى التي مني بها في ظل الانتصار السوري الكبير، وتهافت الدول العربية نحو دمشق مجدداً.