آراء وتحليلات

الانسحاب الأميركي من سوريا.. هل "إسرائيل" الخاسر الأكبر؟

364 قراءة | 10:35

محمد يونس

يكاد يجمع كل من استمع إلى قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب في التاسع عشر من كانون الأول/ ديسمبر الماضي بالانسحاب من سوريا أن هذا القرار كان مفاجئاً لحلفاء واشنطن قبل أعدائها بل كان مفاجئاً لعدد من مسؤولي إدارة البيت الأبيض، خاصة وأن إعلان ترامب هذا جاء في أعقاب تأكيد مستشار الأمن القومي الأميركي جون بولتون بأن الولايات المتحدة عازمة على البقاء في سوريا حتى زوال ما أسماه الخطر الإيراني من سوريا وتحقيق التسوية السياسية في هذا البلد.

ولكن بالرغم من أن ترامب نفسه كان أعلن نيته الانسحاب من سوريا في نيسان الماضي ثم قام بتأجيله نزولا عند رغبة حلفاء واشنطن وفي مقدمتهم كيان العدو، فإنه لا يمكن إخفاء تفاجؤ "حلفاء" واشنطن الذين اعتبره البعض منهم بمثابة خيانة كبرى لهم والبعض الآخر ككيان العدو وصفه بالمفاجأة الصادمة لـ"تل أبيب". كما لا يمكن إخفاء امتعاض المسؤولين المحيطين بترامب من القرار إذ قدم كل من وزير الحرب الأميركي جايمس ماتيس والمبعوث الأميركي للتحالف الدولي لمحاربة "داعش" بريت ماكغورك استقالتيهما من منصبيهما تعبيراً عن رفضهما لهذا القرار.

ولكن بغض النظر عن تفاجؤ الجميع بها القرار وما إذا كان ترامب فعلاً عازما على سحب قواته من سوريا، وهو أمر شكك به الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، إذ تشير بعض المعلومات إلى أن القوات الأميركية قد تبقى في قاعدة التنف أو أنها ستعيد انتشارها في الأراضي العراقية الحدودية مع سوريا، بغض النظر عن ذلك كله كيف كان وقع القرار على كيان العدو وماذا يعني ذلك بالنسبة إليه؟

بادئ ذي بدء لا بد من الإشارة إلى أن المسؤول الخارجي الوحيد الذي كان على اطلاع على القرار قبل إعلانه بيومين هو رئيس وزراء العدو بنيامين نتيناهو كتعبير من ترامب لمكانة "إسرائيل" عند واشنطن، لكن ورغم ذلك عبر أكثر من مسؤول إسرائيلي عن صدمته واستغرابه من القرار، إذ وصف القرار بالمفاجأة الصادمة، وبأنه هدية لروسيا وإيران، وبأنه خيانة لحلفاء أميركا في المنطقة، وبأن "إسرائيل" الخاسر الأكبر من هذا القرار إلى جانب الأكراد وغير ذلك من الردود التي جاءت سلبية وإن كان حرص بعض المسؤولين الصهاينة على عدم إظهار حجم الانزعاج والضعف الذي سيسببه لهم هذا القرار على صعيد الصراع الاستراتيجي مع حلف المقاومة إذ اعتبر رئيس وزراء العدو أن "قرار سحب ألفي جندي أميركي من سوريا لن يبدّل سياستنا الثابتة"، مشيرا إلى ان كيانه سيواصل "العمل ضدّ محاولات إيران إرساء وجود عسكري لها في سوريا، وإذا ما دعت الحاجة، سنوسّع عملياتنا هناك" لكنه أشار إلى أن ترامب وافق على ابطاء عملية سحب جنوده من سوريا بناء لطلب خاص منه.

وبعيداً عن التصريحات والمواقف ماذا يعني انسحاب القوات الأميركية، إن تحقق، من سوريا بالنسبة لكيان العدو؟ يجمع أغلب المحللين والمتابعين لهذه القضية أن هذا القرار سيكون له تداعيات سلبية على مخططات العدو المستقبلية وما كان يتجهز لجنايته من مشاركته في الحرب على سوريا، أبرز هذه التداعيات من منظور إسرائيلي تتلخص في التالي:

- أن القرار يعني رفع الدعم الأميركي المباشر لحلفاء واشنطن في المنطقة خاصة الأكراد و"إسرائيل"، وهو يشكل رسالة سلبية لحلفاء الولايات المتحدة كما يؤثر على ثقة هؤلاء بواشنطن.

- أن الفراغ الذي سيخلفه الانسحاب سيقوم بملئه أعداء "إسرائيل" في سوريا وفي مقدمتهم الجيش السوري وإيران وحزب الله.

- إن "إسرائيل" بقيت وحيدة في مواجهة إيران في سوريا، وحسب مصادر إسرائيلية فإن جل ما تحلم به من واشنطن بعد ذلك هو الدعم السياسي.

- أن "إسرائيل" خسرت ورقة ضغط مستقبلية كان يشكلها الوجود الأميركي العسكري في سوريا في أي تسوية سياسية سورية محتملة.

- ضبط الحدود العراقية السورية أصبح صعباً مما سيسهل عملية الاتصال البري لمحور أعداء "إسرائيل" من إيران وصولا إلى لبنان.

- خسرت "إسرائيل" قاعدة عمليات عسكرية ميدانية كانت تؤمن لها معلومات استخباراتية وعملياتية في اعتداءاتها على سوريا.

- حصر المرجعية الدولية في سوريا بروسيا مما سيجبر كيان العدو على التوجه إلى موسكو والتفاهم معها إن أراد تأمين مصالحه في سوريا مع ما يعنيه ذلك من أثمان صار لزاما عليه دفعها.

- أنه رسالة لأعداء واشنطن و"إسرائيل" معاً بأن الولايات المتحدة تعلن عجزها عن تغيير ميزان القوى المحلي في سوريا والمنطقة لمصلحة السياسة الأميركية.

وعلاوة على ذلك فإن القرار بحد ذاته يجعل المسؤولين الصهاينة ومن منظورهم لا يفهمون المنطق الاستراتيجي الذي يبني عليه ترامب قرارته، إذ كيف له أن ينسحب من منطقة لوجوده فيها أبعاد استراتيجية وتداعيات على جميع حلفائه؟ ولعل جواب ترامب على ذلك هو ما قاله لنتنياهو: " قلت لبيبي "يقصد بنيامين نتنياهو"، تعلم أننا نمنح إسرائيل 4.5 مليار دولار سنوياً. يقومون بعمل رائع للدفاع عن أنفسهم".

ورغم أنه أكد على أن شغله الشاغل في المنطقة هو حماية "إسرائيل" لكن هذه الأخيرة غير مقتنعة بذلك وباتت كغيرها ترى أن منطلق تعامل الرئيس الأميركي مع أي كان هو المال ولا شيء غير المال حتى ولو كان مع أخص حلفائه.