آراء وتحليلات

شتاء اقليمي تصاحبه ملفات متجمدة ومنزلقات خطرة

482 قراءة | 11:36

إيهاب شوقي

اذا ما أردنا توصيفاً للحظة الراهنة، فإنه يمكننا وصفها بلحظة "تجمد الملفات"، وهي لحظة مرهقة استراتيجياً، وتحليلياً، ولا تخلو من نذر للخطورة.

ومصدر التجمد هنا هو صعوبة حركة جميع الأطراف، حيث يحسب كل طرف خطوته بدقة بالغة لأن ثمن أي خطأ، سيكون خصماً استراتيجياً باهظ الأثمان.

والمدقق يرى أطرافاً معتدية تبتغي الهيمنة وترى نفسها خسرت رهاناتها لتوسيع الهيمنة وتصفية المقاومة، بل وحتى الممانعة، وأقصى طموحاتها تُقَزَّم لتصل الى عودة الأوضاع لما قبل العدوان الذي بدا قبل ثمانية أعوام، تحت مسمى "الربيع العربي"، والذي كان مظهراً مخادعاً لجوهر حقيقته "الربيع الصهيوني".

وأطراف أخرى تمثل محور المقاومة، لن تهدر تضحياتها التي أكسبتها معادلات جديدة للردع، وخطوات متقدمة لأهدافها العليا والتي تشمل التخلص من الهيمنة والوصاية والذل، وتحرير الأرض وحماية الشعوب وثرواتها ومقدساتها.

وبالتالي هناك وقفة ليست تعبوية، بقدر ما هي وقفة لصعوبة وخطورة الحركة التالية، وهو ما يصب في صحة توصيف الصراع، بأنه صراع إرادات.

ولمزيد من التوضيح، فإن عودة الاستقطاب العالمي تزامن مع صراع واقعي بين الأقطاب على عدة جبهات، ولم يعد الاستقطاب وفقا لحسابات القوى والاقتصاد كمجرد احصاءات وأرقام نظرية على الورق، بل عاد الاستقطاب نتيجة اشتباك واقعي على الارض في جبهات مثل سوريا واوكرانيا وكوريا الشمالية.

وبالتالي حدث التحول الاستراتيجي متزامنا مع الجبهات المفتوحة، وهو ما يعقد فك الاشتباك، بين حفظ ماء وجه القطب الاوحد المتراجع لخطوط اشتباك الحرب الباردة، وبين الأقطاب الجديدة التي بذلت الغالي والنفيس للوصول لخطوط لا يمكن التراجع عنها.

فقد أفضى الاشتباك وعودة الاستقطاب الى أوضاع يمكن تلخيصها كما يلي:

1 - معادلة ردع جديدة لمحور المقاومة، واتساع لهذا المحور بعيداً عن حدود فلسطين المحتلة هذه المرة، لتصل الى باب المندب وشبه الجزيرة، وكذلك بوادر تلاحم مع العراق، بما يعيد شبح الهلال الخصيب، وهو هذه المرة هلال مقاوم، وهو انجاز استراتيجي بالغ الأهمية يقلب معادلات امريكا والغرب في المنطقة.

2 - استقلال نسبي لتركيا بعد إجادتها اللعب على التناقضات، أحيا طموحات توسعية قديمة ومكنها اللعب مع الكبار والاستفادة من جميع المعسكرات.

3 - انكفاء جبري لقوى خليجية على رأسها السعودية، حاولت تجاوز امكانياتها ولعب أدوار أكبر من حجمها الحقيقي الحضاري والمعنوي، اعتماداً على ذراع وحيد هو المال، بما جعلها فريسة للابتزاز والاستنزاف، ولا تجد بعد افتقادها نفوذها المعنوي عبر التفريطات المعلنة والتنازل عن سلاحها الديني الذي استخدمته للمخادعة، الا الاحتماء بأمريكا والغرب، وهو ما يعني دخول حلقة مفرغة من الابتزاز الى نهاية أصبحت قريبة وفقاً لشواهد الاقتصاد والسياسة.

4 - حالة اسرائيلية بائسة، لا هي قادرة على التصعيد، ولا هي قادرة عن تقبل المعادلات الجديدة. وهناك متغير جديد يزيد من بؤس حالة الصهاينة، وهو قوة كيان العدو الوهمية، التي شكلت وهماً لأنظمة عربية لفترة طويلة، حيث ظنت هذه الأنظمة أن آخر أوراق إنقاذها اذا ما ألمت بها الملمات، هو التحالف مع "اسرائيل"، بينما بات هذا الخيار وكما بدا مؤخراً خياراً عاجزاً عن الانقاذ، بل بدا أن الاحتماء متبادلا هذه المرة لتشكيل تحالف في وجه المقاومة!

5 - دولة مركزية تشكل رمانة ميزان حقيقية، هي مصر، تبدو وأنها تجمدت، ولا تستطيع المضي في أي شوط لنهايته، فلا هي مع العدوان لنهايته، ولا هي مع المقاومة، وهو ما يزيد من تجمد الملفات ولا يساعد على حلحلتها.

والمحصلة هو وضع متجمد، ربما يرغب الصهاينة في حلحلته لحرب ويعيقهم عدم ضمان نتيجتها، ومحصلة خياراتها المتوقعة، هي نقل الصراع للجبهات الداخلية عبر خطوات يمكن توقع منها ما يلي:

اولا: مزيد من العمليات الارهابية عبر فلول التكفيريين لاضعاف الدول المركزية وقطع الطريق على اعادة تموضعها في محاور جديدة وكذلك استهداف دول محور المقاومة وحركاتها بهذا الارهاب.

ثانيا: محاولة خلق المزيد من الفتن، سواء السياسية، أو الدينية والطائفية، لتحقيق مزيد من الاهتراء والتفسخ بما لا يمكن من طرد النفوذ الخارجي لقوى متراجعة استراتيجيا.

ثالثا: ربما تعيد أنظمة عربية علاقاتها مع سوريا، ولكن لا نظن أنه كما يثار لاحتوائها بعيداً عن المقاومة، فهم يعرفون الثبات السوري وصعوبة تقديم تنازل في وضع منتصر، تم رفضه تحت عدوان غاشم، ولكن ربما للاحتماء بها من ارتداد الارهاب أو خوفاً من انتقام ما، أو ليقين تام بخسارة الرهان على الغرب والصهاينة، أو وهو احتمال مرجح، للمناورة وتخفيف حدة  الابتزاز الخارجي.

يبقى مصدر الخطورة هنا، هو أن يحاول طرف من الأطراف حلحلة الوضع عبر اشتباك يظنه محدوداً، أو عبر مجازفة بسياسة حافة الهاوية دون حرفية أو عبر تفاعلات داخلية تشكل زلزالاً يهز النظام الاقليمي بما يدفع لاشتباك حتمي.

ووفقاً لجميع الحالات والتوقعات، تبقى المقاومة ثابتة لأن برنامجها ثابت وهدفها معروف، فهي موجودة حيثما يجب أن تكون.