نقاط على الحروف

"المعارضة الطفولية" وخطاب السيد.. هل هي مخاوف مشروعة؟

575 قراءة | 09:30

أحمد فؤاد
لم تكن المقاومة في حالة الأمة العربية على الإطلاق رفاهية، بل ضرورة دعت إليها مشاريع السيطرة الغربية، المتعددة والمستمرة، منذ رفع لوائها على يد جمال عبد الناصر في مطلع الخمسينات من القرن الماضي، مرورًا بضرب مشروعه في 67، ثم ألت إلى سوريا في منتصف السبعينات، لتقف وحدها على جبهة عريضة، ومفتوحة، ومنحها دخول إيران الثورة في المعادلة إمكانية الثبات، وقدمت إيران بوزنها السكاني والحضاري ومواردها الكثير لقوى المقاومة العربية، رغم استنزافها الطويل المنهك في حرب صدام العدوانية.

ما قاله الامين العام لحزب الله سماحة السيد حسن نصر الله، في خطابه الأخير، عن الجمهورية الإسلامية، في الذكرى الأربعين لثورتها، مثلما آثار مخاوف الكيان وعملائه، آثار أيضًا "المعارضة الطفولية"، التي تنتقد دون ممارسة فعل، وتزايد بلا تضحيات، وتثير من الزوابع أضعاف قدراتها وأحجامها، والأهم، أنها بلا ارتباط حقيقي بالشارع، وأبعد ما تكون عن ميادين الصراع وخطوط المواجهة.

تلقفت الأبواق الصدئة كلمات السيد بالتخويف من تبعية مفترضة لإيران، في دهس لحقيقة أن ما بين إيران والعرب تكامل مصالح، وليس امتصاصًا للثروات العربية، وما يجمع إيران مع محور المقاومة هو خندق واحد، لا مجال فيه للتخوين والتخويف والمزايدة، فالنفوذ الإيراني في المنطقة حاضر وموجود، وهي كقوة إقليمية لها مساحات ودور، ومسألة لقاء المصالح بينها وبين أطراف عربية ليست وليدة اليوم أو الأمس القريب.

وللمعارضة الطفولية في واقعنا العربي قصة طويلة مريرة، كل فصولها تبدأ بمزايدة وتنتهي بمأساة، وخير من كتب عنها هو فلاديمير لينين، قائد الثورة البلشفية ومؤسس الاتحاد السوفيتي السابق، وقدم التشريح الأدق لعقلية اليساري الجامد، والاستهتار ومخاصمة الحسابات الواقعية، والتنصل من كل تبعة يرتبها الموقف في ميدان الصراع.

وشهدت الستينات من القرن الماضي انتشار المصطلح، المعبر عن حقيقة أحزاب شيوعية ويسارية عربية، كانت تشعل الفتيل وتنزوي بعد الانفجار، هاربة من أي عواقب أفعالها، ثم ترتد لتزايد على كل طرف قبل أن يتحمل مسئولياته، وانخرط في الصراع.

لم تسقط إيران على الشرق الأوسط من السماء صدفة، ولم تظهر إلى الوجود فجأة، بل هي جزء ومكون رئيس من المنطقة، وهويتها ومصالحها معًا مرتبطة بالأمة العربية، ويعد الثورة الإسلامية، التي يحتفل مقاومو وأحرار العالم بها، أصبحت تقف في الجانب العربي، مقابل أدوات ووكلاء الغرب، بداية بالكيان الصهيوني، إلى الحكومات العميلة المأجورة.

حين أرادت إيران الثورة أن تصدّر تأثيرًا دوليًا أو إقليميًا متعديًا لحدودها، فإنها اختارت الجانب الصحيح، الشعوب لا النظم، وأدرك سياسيوها أنه يحتاج لزمن، ويستلزم نية وخطة وقدرة طويلة الأمد، لاقتناص كل فرصة ملائمة لإثبات تماهيها مع المصالح العربية، وخلق الظروف المواتية إن لم تكن موجودة لتكامل فرضه الواقع لا الأحلام، وبالتالي خلقت، على المدى الطويل، حقائق جديدة أدت بدورها لأوضاع مختلفة، صنعت توازن الردع مع العدو الصهيوني، حتى في أضعف مناطق المواجهة، ونقلت بنجاح مثير المعركة من قلب العواصم العربية إلى قلب الكيان الصهيوني الهش.

جعل التأثير الإيراني في المنطقة منها قوة إقليمية، هي لها بطبائع الأمور، وربط بين مصالحها ومصالح شعوب عديدة، وصنع محورًا معمدًا بالدم الزكي بينها وبين نظم عربية اختارت مواجهة الكيان الصهيوني، وكانت تقف وحيدة ومعزولة أمام القوة الصهيونية، قاعدة الولايات المتحدة المتقدمة في الشرق الأوسط.

وبناء الدور وصنع التأثير عمليتان معقدتان، استلزمتا توفر كفاءة الإدارة السياسية، والرؤية الواضحة للمنطقة، ووضع حسابات للقوى العالمية، وقوة حضورها ومساحات اهتمامها، فتكاليف الدور وأثمان التأثير ليست هينة، ولم تكن في يوم من الأيام مالًا ينفق أو أبواق دعاية تزعق في فضاء اللافعل، كما تفعل النظم الخليجية، بل هي عمليات متكاملة، بلا تراجع على درجات السلم، بل المتاح الوحيد وقتها هو التقدم بثبات.

تقدم إيران للواقع العربي الإجابة، في وقت تعز هذه الإجابة على الفاعلين الرئيسيين بالمنطقة، وفي غياب مصر ـ كامب ديفيد، فقد تحملت ولا تزال نتائج موقفها مع القضية الفلسطينية، وشاركت العراق في دحر تنظيم "داعش"، بواسطة الحشد الشعبي، في الوقت الذي قدر فيه الجنرالات الأميركيون تحرير العراق بأنه سيستغرق سنوات، ولا حاجة بنا إلى النفخ من جديد في بالونة الخليج المثيرة للخلافات الطائفية الضيقة، في وقت تستهدف الصواريخ الصهيونية والقنابل الأميركية الجميع، بلا تفرقة.