آراء وتحليلات

هل ستكون "الباغوز" محطة "داعش" الأخيرة؟

280 قراءة | 12:00

بغداد ـ عادل الجبوري

في آخر تسجيل صوتي لتنظيم "داعش" الارهابي، تداوله عدد من مواقع التواصل الاجتماعي، مساء يوم الثلاثاء الماضي، دعا عناصره الى شن هجمات في جميع أنحاء العالم، لإثبات وجوده وقوته وتأثيره.

وقد جاءت تلك الدعوة متزامنة مع الهزائم الكبيرة التي مني بها التنظيم الارهابي في منطقة الباغوز السورية القريبة من الحدود مع العراق، على أيدي قوات سوريا الديمقراطية (قسد).

لا شك أن مثل تلك الدعوات "التحفيزية"، غالباً ما تطلقها أنظمة أو حكومات أو زعامات أو منظمات، حينما تشعر أن نهايتها باتت وشيكة جداً، كما حصل مع رئيس النظام العراقي السابق صدام حسين، وكما حصل مع الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، وآخرين غيرهما.

ولأنها تكون قد وصلت الى النتيجة الحتمية، ولم يعد بامكانها سوى القبول والاقرار بتلك الحقيقة، فإنها تعمد الى خلط الأوراق بأقصى قدر ممكن، وهذا بالضبط ما يحاول تنظيم "داعش" الارهابي فعله الآن.

عراقياً، لا يمكن النظر الى التطورات والمستجدات الأخيرة في المشهد السوري، باهتمام قليل، لأن التداخل والتشابك مع المشهد العراقي كبير جداً، لا سيما فيما يتعلق بالملف الأمني، والحرب ضد "داعش"، اذ إن الأخير استهدف كلاً من سوريا والعراق وفق أجندة واحدة، وتحقيق أي انتصار عليه في أحدهما من الطبيعي جداً أن ينعكس ايجاباً على الآخر، والعكس صحيح.

والضربة القاصمة الأخيرة التي تعرض لها "داعش" في بلدة الباغوز، كانت حصيلة جهود متواصلة من الطرفين.
ومعروف أن القوات العراقية نفذت طيلة العام الماضي وبداية هذا العام، العديد من العمليات العسكرية والضربات الجوية ضد مواقع وتجمعات وأوكار "داعش" في العمق السوري، بالتنسيق مع الحكومة السورية.     

في هذا السياق، نقلت وسائل اعلام عراقية عن مصدر عسكري، قوله إن "مدفعية الجيش العراقي قصفت مساء الثلاثاء، قرية الباغوز في محافظة دير الزور شرق سوريا، القريبة من الحدود العراقية، وهي آخر جيب لعصابات "داعش" الارهابية في الدولة المجاورة، بعد أن رصدت القوات العراقية تحركاتهم هناك بواسطة الكاميرات الحرارية".

الجهد العسكري العراقي ساهم في تسريع عملية محاصرة وإضعاف "داعش" في سوريا، كخطوة أولى لإنهاء وجوده بالكامل، هذا من جانب، ومن جانب آخر، قطع الطريق على فلول التنظيم المنهزمة هناك، ومنعها من التوجه نحو الأراضي العراقية.

ولعل التصريح الأخير لنائب قائد عمليات الأنبار في الحشد الشعبي، أحمد نصر الله، يؤكد ذلك، اذ أشار الى أنه "بعد تقدم قوات سوريا الديمقراطية (قسد) باتجاه الحدود العراقية السورية ومعاركها المستمرة مع "داعش" في باغوز شرق سوريا، وهي آخر جيب للارهابيين في سوريا، أخذت قوات الحشد الشعبي والجيش العراقي والشرطة الاتحادية وكذلك الأسلحة الساندة وذات الكفاءة العالية والدقة المتناهية، كافة الاستعدادات والاجراءات لمنع وصول الدواعش وتقربهم للحدود العراقية ورصد تجمعاتهم وتحركاتهم في هذه المنطقة".

ويبدو أن المعارك الأخيرة، تمثل نقطة تحول حاسمة في منحى الصراع مع تنظيم "داعش" الارهابي، ففي حال نجح الأخير بالتماسك والمقاومة، فإنه ربما سيتمكن من اعادة تنظيم صفوفه في بعض الجيوب في الاراضي السورية والعراقية، مستفيداً من دعم واسناد قد توفره له الولايات المتحدة الاميركية، بيد أن هزيمته الكاسحة، ستعني أنها بداية النهاية له، أو بتعبير آخر النهاية الحقيقية، على اعتبار أن وجود "داعش" في الجيب الأخير المتمثل ببلدة الباغوز، جعله يرزح بين فكي كماشة يصعب الى حد كبير التخلص والانعتاق منها، فلا هو يستطيع الهروب غربا ولا التوجه شرقا، ولا البقاء في مواضعه الحالية، في ظل انكسار معنوي ونفسي واضح وملموس جدا، عبرت عنه عمليات الهروب الواسعة، الى جانب مقتل أعداد كبيرة من عناصره، ووقوع أعداد أخرى في قبضة الجيش السوري، وقوات (قسد).

ويرى خبراء أمنيون، أن استعادة بلدة الباغوز تعد علامة فارقة في الحملة المدمرة التي دامت أربع أعوام لهزيمة ما سميت بـ "دولة الخلافة" التي استطاعت السيطرة على مساحة شاسعة تمتد بين سوريا والعراق خلال الأعوام الماضية قبل أن تنحسر تلك المساحة إلى أقل من سبعمئة كيلو متر الان.

وما يؤكد ويزيد من حالة الانكسار المعنوي والنفسي، هو اقرار واعتراف التنظيم بهزيمته، الذي جاء على لسان القيادي في التنظيم المدعو أبو عبد العظيم، حينما قال "إذا كان لدينا آلاف الكيلومترات ولم يتبق لنا سوى بضعة كيلومترات..".

وفي واقع الأمر لا يقل حجم وأهمية الانتصار العسكري الأخير على "داعش" في سوريا عن الانتصار الكبير الذي حققته القوات العراقية في خريف عام 2017، المتمثل بتحرير محافظة نينوى من ذلك التنظيم الارهابي، ليعلن بعد ذلك الانتصار الشامل والكامل عليه.

بيد أن ما ينبغي التأكيد عليه، هو أن تطهير كل جيوب وملاذات الارهابيين، ووضع اليد على قواعدهم، وقطع خطوط امداداتهم اللوجيستية، يتطلب المزيد من الوقت والتنسيق ذي الطابع الاستخباري، والتنبه لتحركات واشنطن، التي ربما لا تتمثل أجندتها بالقضاء على "داعش" بصورة نهائية، بل إعادة بناء وتنظيم جزء منه بمسمى وعنوان آخر، وكما يشير الباحث السوري المتخصص في الجماعات الارهابية والتنظيمات المسلحة حسام شعيب، الى "أن الاستراتيجية الأمريكية لا تريد إنهاء داعش من المنطقة، لأن ذلك يعني أن الولايات المتحدة لم يعد لها أي أوراق ضغط سواء أمنية أو سياسية وعسكرية لاستخدامها ذريعة أو حجة للبقاء على أراضي الدولة السورية أو حتى في العراق".

في ذات الوقت، فإن الانتصار العسكري، يعد جزءا من الحرب الشاملة على الارهاب، حيث يتبقى البعد الفكري العقائدي المنحرف، الذي يحمله أتباع المقاتلين الدواعش ومتعلقوهم من عوائلهم وأقربائهم والمتعاطفين معهم، وهم بالآلاف، ناهيك عن الخلفيات الاجتماعية المختلفة التي ينحدر منها هؤلاء، والتي تلتقي وتجتمع في بوتقة واحدة.

أضف الى ذلك، فإن التسجيل الصوتي القصير المشار اليه في أول السطور، وإن كان يعكس القدر الكبير من الاحباط واليأس في صفوف "داعش" ـ قيادات وقواعد، الا أنه يشير الى أن التنظيم الذي يمتلك وجودات وخلايا وملاذات في مناطق مختلفة من العالم ـ كبعض دول أفريقيا وآسيا وحتى أوروبا ـ يمكن أن يفعل شيئاً هنا أو هناك، مثلما حدث في مرات عديدة خلال الأعوام الخمسة أو الستة الماضية.